أبي حيان التوحيدي
20
الإمتاع والمؤانسة
ويعشى إلى نارهم ، منهم : أبو عمرو بن العلاء ، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف ، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر . وهذا داود الطائي ، وكان من خيار عباد اللّه زهدا وفقها وعبادة ، ويقال له تاج الأمة ، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها : نعم الدليل كنت ، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول ، وبلاء وخمول . وهذا يوسف بن أسباط : حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحه فيه وسد بابه ، فلما عوتب على ذلك قال : دلّنا العلم في الأول ثم كاد يضلنا في الثاني ، فهجرناه لوجه من وصلناه ، وكرهناه من أجل ما أردناه . وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال : واللّه ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك . وهذا سفيان الثوري : مزق ألف جزء وطيرها في الريح وقال : ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا . وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد : قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الأجل ، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار . وما ذا أقول وسامعي يصدّق أن زمانا أحوج مثلي إلى ما بلغك ، لزمان تدمع له العين حزنا وأسى ، ويتقطع عليه القلب غيظا وجوى وضني وشجى ، وما يصنع بما كان وحدث وبان ، إن احتجت إلى العلم في خاصة نفسي فقليل ، واللّه تعالى شاف كاف ، وإن احتجت إليه للناس ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس ، إلى أن تفي الأنفاس بعد الأنفاس ، « ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون » . فلم تعنّى عيني - أيدك اللّه - بعد هذا بالحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة والتصحيح وبالسواد والبياض ، وهل أدرك السلف الصالح في الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح ، وإخلاص المعتقد والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا وخدع بالزبرج ، وهوى بصاحبه إلى الهبوط ؟ وهل وصل الحكماء القدماء إلى السعادة العظمى إلا بالاقتصاد في السعي ، وإلا بالرضا بالميسور ، وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم ؟ فأين يذهب بنا وعلى أي باب نحط رحالنا ؟ ؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب ؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما ؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرهما ؟ هيهات ، الرحيل واللّه قريب ، والثواء قليل ، والمضجع مقض ، والمقام ممض ، والطريق مخوف والمعين ضعيف ، والاغترار غالب ، واللّه من وراء هذا كله طالب ، نسأل اللّه تعالى رحمة يظلنا جناحها ، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها ، فالويل كل الويل لمن بعد عن رحمته بعد أن حصل تحت قدره . فهذا هذا .